كمال الدين دميري

330

حياة الحيوان الكبرى

تزعم أن القراد يعيش سبعمائة سنة ، وهذا من أكاذيبهم ، وإنما الضجر منهم به دعاهم إلى هذا القول فيه . وهو في الرؤيا : يدل على الأعداء والحساد الأخساء ، وإن رأى الدلم منتشرا في الأرض والرمل ، فهو كذلك أيضا واللَّه تعالى أعلم . القرد : حيوان معروف ، وكنيته أبو خالد وأبو حبيب وأبو خلف وأبو ربة وأبو قشة ، وهو بكسر القاف وسكون الراء ، وجمعه قرود ، وقد يجمع على قردة ، بكسر القاف وفتح الراء المهملة ، والأنثى قردة بكسر القاف وإسكان الراء ، وجمعها قرد بكسر القاف وفتح الراء ، مثل قربة وقرب . وهو حيوان قبيح مليح ذكي سريع الفهم يتعلم الصنعة . حكي أن ملك النوبة أهدى إلى المتوكل قردا خياطا ، وآخر صائغا . وأهل اليمن يعلمون القردة القيام بحوائجهم حتى إن القصاب والبقال يعلم القرد حفظ الدكان حتى يعود صاحبه ، ويعلم السرقة فيسرق . نقل الشيخان عن القاضي حسين أنه قال : لو علم القرد النزول إلى الدار وإخراج المتاع ، فنقب وأرسل القرد فأخرج المتاع ، ينبغي أن لا يقطع لأن للحيوان اختيارا . ونقل البغوي في باب حد الزنا أن المرأة لو مكنت من نفسها قردا فوطئها . فعليها ما على واطىء البهيمة فتعزر في الأصح ، وتحد في قول ، وتقتل في قول . فائدة : قال ابن عباس وعكرمة رضي اللَّه تعالى عنهم في قوله « 1 » تعالى : * ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه ) * أي أتقنه وقالا : ليست است القرد حسنة ، ولكنها متقنة محكمة ، فجميع المخلوقات حسنة ، وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن . قال اللَّه تعالى : * ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) * « 2 » . والقردة تلد في البطن الواحد العشرة ، والإثني عشر ، والذكر ذو غيرة شديدة على الإناث . وهذا الحيوان شبيه بالإنسان في غالب حالته ، فإنه يضحك ويطرب ويقعى ويحكي ، ويتناول الشيء بيده ، وله أصابع مفصلة إلى أنامل وأظافر ، ويقبل التلقين والتعليم ، ويأنس بالناس ، ويمشي على أربع مشيه المعتاد ويمشي على رجليه حينا يسيرا ، ولشفر عينيه الأسفل أهداب ، وليس ذلك لشيء من الحيوان سواه . وهو كالإنسان ، وإذا سقط في الماء غرق كالآدمي الذي لا يحسن السباحة ، ويأخذ نفسه بالزواج والغيرة على الإناث ، وهما خصلتان من مفاخر الإنسان وإذا زاد به الشبق ، استمنى بفيه ، وتحمل الأنثى أولادها ، كما تحمل المرأة ، ومن سر هذا الحيوان أن الطائفة من هذا النوع ، إذا أرادت النوم ينام الواحد في جنب الآخر ، حتى يكونوا سطرا واحدا ، وإذا تمكن النوم منها ، نهض أولها من الطرف الأيسر ، فإذا قعد صاح فينهض من كان يليه ، ويفعل كفعله حتى يكون هذا إلى آخرهم ، يفعلون ذلك في الليل كله مرارا ، وسبب ذلك أنه يبيت في أرض ويصبح في أخرى ، وفيه من قبول التأديب والتعليم ما لا يخفى . ولقد درب قرد ليزيد على ركوب الحمار ، وسابق به

--> « 1 » سورة السجدة : آية 7 . « 2 » سورة التين : آية 4 .